المحتوى الرئيسى

سليم عزوز يكتب ماذا بعد عودة «شفيق»؟

عندما علمت بدخول الفريق أحمد شفيق لمصر عبر صالة كبار الزوار بمطار القاهرة، تذكّرت واقعة خاصة بهذه الصالة، يمكن أن تساهم في فهم هذه الشخصية!، فبعد الانتهاء من تجديدات المطار، ليصبح بالشكل الذي عليه الآن، والذي يُعده الفريق شفيق أحد إنجازاته، بل الإنجاز الأهم، لأنه حدث إبان فترة توليه منصب وزير الطيران، وكان يشرف على الأمر بنفسه، فيختلط بالعمّال، ويناقش المهندسين في الموقع، فقد غيّر لوائح دخول صالة كبار الزوار، والفئات التي لها الحق في دخولها منصوص عليها لائحيّاً على سبيل الحصر بحكم المواقع الوظيفية التي يشغلونها، وكان يحدث التساهل أحياناً من قبل المسؤولين بالمطار فيسمحون بدخول هذه الفنانة أو تلك، أما شفيق فقد اشترط دفع رسوم مرتفعة، على من لهم حق الدخول من هذه الفئات!.

وحدث أن كان قدِم عمرو موسى، إلى القاهرة مع وفد من وزراء الخارجية العرب، ولم يكن قد سدّد الرسوم، عن نفسه وعن الوفد، فقد انطلق غاضباً ليقف مع الوفد في طابور العائدين من الخارج، وكان ما جرى كفيلاً بوقف هذا التعسّف، لكن لأن شخصيته تتسم بالعناد، فلم يفعل، وهذه السمة هي التي كانت سبباً في هذا الإعلان في بيان له، عن احتجازه في الإمارات، والذي بلغ حداً لم يهضمه كثيرون، فقال إنها مؤامرة تشارك فيها أبو ظبي، بهدف خلق دعاية له تمكّنه من خوض الانتخابات القادمة، مع ما في الموقف من إساءة للقوم هناك، وتقديمهم على أنهم قراصنة، يفتقدون لقيم «العربي الأصيل» في عدم الإساءة للضيف!.

وسمة العناد، هي التي دفعت إلى عدم تصور من يعرفونه للتسليم بسهولة، إن مورست ضغوط عليه من قبل السلطة في مصر مقابل ألا يترشّح، وقد دخل القاهرة متخطفاً، وأستطيع أن أجزم، بأن سفره للقاهرة، كان فجأة، بعد أن أُبلغ أنه شخصية غير مرغوب فيها، وعليه أن يخرج الآن حالاً، وترك بناته رهائن هناك، انحيازاً للسيسي، لأن القوم تعاملوا مع أحمد شفيق، على أنه ورقة في أيديهم، ليضمنوا به استمرار سيطرتهم على حكم مصر، في حال غياب السيسي أو تغييبه، وفي الآونة الأخيرة كان ظنهم أنه ورقة لابتزاز السيسي، للانتهاء من صفقات دفعوا ثمنها، ولم تُنجز، مثل صفقة جزيرة «الورّاق»، فلا يصدّق الإماراتيون أن عبد الفتاح السيسي، فشل بكل هيلمانه الأمني، من جيش وشرطة ومخابرات، في إخلاء الجزيرة، حد الإقرار بالهزيمة في مواجهة الأهالي، وطلب المزيد من الأموال، لدفعها لهم، لغوايتهم في الخروج، وهو ما يدفع القوم في الإمارات للاعتقاد بأنهم وقعوا ضحايا لعملية نصب قام بها نصّاب محترف!.

وفي زيارته الأخيرة للإمارات طلب عبد الفتاح السيسي وساطة القوم في عودة الفريق أحمد شفيق للقاهرة، وهو الخائف للغاية، من الانتخابات القادمة، وكان شرطه هو أخذ تعهّد عليه بعدم الترشح أو ممارسة العمل السياسي، مقابل أن يُترك في بيته معزّزاً مكرّماً، ويتم رفع اسمه من قوائم ترقب الوصول، وحفظ عشرات البلاغات المقدّمة ضده للنائب العام، وجاء الرد بأنهم حاولوا معه، وأنه لم يرضخ لهم، ولم يصدّق السيسي ذلك، تماماً مثلما لم يصدّقوه عندما أعلن عجزه عن حمل الأهالي على إخلاء منطقة الوراق!.

القوم في أبو ظبي، وبالتحديد أولياء أمور الانقلاب العسكري في مصر، يعلمون الآن أنهم لم تعد لهم القدرة على التحكم في مجريات الأمور في القاهرة، بعد أن فقدوا نفوذهم إلا قليلاً، فلم يعد لديهم فائض من «الرز» يقدّمونه لعبد الفتاح السيسي، وهو لا يَشبع مهما أخذ، ثم أنهم فقدوا الأهمية الأدبية، فقد كانت قيمتهم عند السيسي أنهم وكلاء أعمال إسرائيل في المنطقة، وباعتبار أن إسرائيل هي المدخل الطبيعي للبيت الأبيض، وقد التحم السيسي بنتنياهو، ولم يعد بحاجة إلى الوساطة الإماراتية، ثم إن الإماراتيين لم يعودوا أصحاب الحظوة في البيت الأبيض، فالسيسي يُدرك أن الأمور لم تكن كما يُعتقد في السابق؛ وأن محمد بن زايد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له البيت الأبيض بالسهر والحمى!.

في إقدامه المفاجئ على التدخل في ملف المُصالحة الفلسطينية، كان عبد الفتاح السيسي وكيلاً عن بن زيد، ومحمّولاً بعدة أهداف منها، إدخال الإمارات لغزة، والدفع بمحمد دحلان إلى قمة الدولة الفلسطينية، لكن قراراً أمريكياً صدر، بأن تلتزم أبو ظبي حدودها، وليس مسموحاً بأن يكون دحلان بديلاً لمحمود عباس (أبو مازن)، وهو ما أربك المُصالحة، ليس لأن الموقف الأمريكي لم يأت متماهياً مع المطلب الإسرائيلي بتعميد دحلان رئيساً، ولكن لأن الاعتماد في التمويل ودفع مرتبات الموظفين في غزة كان ملتزماً به الجانب الإماراتي!،

والسيسي أدرك بأن الخريطة اختلفت، فرغم العلاقات الدافئة مع نتنياهو، فقد أوقف ترامب اقتراح تعديل الدستور بما يسمح بمد فترة الرئاسة لست سنوات، ولتكن مدداً بدلاً من مدتين. كما أنه ضُبط متلبساً باللعب في الممنوع من خلال صفقة مع كوريا الشمالية، وفي مغامرة لن تغفرها واشنطن!.

وأدرك - باعتباره صاحب صحيفة سوابق في التآمر- أنه لابد من أن يبحث عن حماية أخرى ، فالنفوذ الإقليمي لم يعد كما كان، ورضا نتنياهو ليس نهاية المطاف، وإن فرّط من أجل إسرائيل في حصة مصر من مياه النيل، وفي تيران وصنافير، والدوائر الغربية، وإن لم تعاديه، فقد فقدت حماسها له، وقد تلجأ للبحث عن بدائل، والتي لن تخرج بعيداً عن أفراد مرتبطين بالمؤسسة العسكرية، وليس هناك سوى مرشحين: الأول: رئيس أركان الجيش السابق الفريق سامي عنان، ورئيس الحكومة السابق الفريق أحمد شفيق!، السعودية خيارها «عنان»، لكن مشكلته أنه يفتقد لروح المغامر، ثم إنه يفتقد لشعبية الشارع، وفاتورة نجاحه باهظة، فلابد من أن يوافق الإخوان المسلمون على مساندته، مساندة المرشّح المختار، وليس بالموافقة على مضض. أما شفيق فهو إلى الآن ممثل الدولة العميقة، التي فشل السيسي في تمثيلها!، والسيسي وجد فتوراً في دوائر الانقلاب السابقة، فذهب يبحث عن مصالحه بعيداً عن خندق السعودية والإمارات، وظهر هذا جلياً في الموقف الأخير من حزب الله وإيران، ثم أنه عاد ليخطب ود روسيا، وإذا طال به الأمد فلن يكون مستغرباً إذا جاء إلى قطر أو سافر إلى تركيا!.

السعودية جاءها ما يشغلها، والتحديات الداخلية لا تترك لها فرصة للتفكير في مصر، والإمارات وبعد استبعادها أمريكياً من أي وجود في الملف الفلسطيني وبفرض خيارها الذي هو في الوقت ذاته خيار إسرائيل، لا تعيش رفاهية مساندة بديل للسيسي، فكل ما يشغلها هو إنجاز صفقاتها معه، فاستخدمت الفريق أحمد شفيق ورقة، لعدم فهمها لطبيعة شخصية الرجل، لكنه رفض أن يكون ورقة في يدها!.

في يوم ترحيله إلى مصر، وقبل ساعتين من هذا القرار المفاجئ، علمت من مصادري أن الرجل سيُغادر خلال أيام لفرنسا، ومنها إلى نيجيريا، ثم يقوم بزيارة لبعض العواصم الغربية، قبل أن يعود إلى مصر مع إعلان اللجنة العليا للانتخابات بدء الإجراءات للانتخابات الرئاسية.

ولم يكن في نيّته إعلان ترشّحه من الإمارات، لكن المؤكد أنه كان قد عقد العزم على خوض الانتخابات، وحصوله على التأشيرة الفرنسية كان جزءاً من هذا الترتيب، وبمجرد أن حصل عليها، صدر قرار منعه من السفر، فبادر بإعلان قراره بالترشح وقام بتجريس من منعوه من السفر، ليضع العربة أمام الحصان، وقد اقتيد إلى القاهرة، وظلت بناته رهائن في الإمارات، وفي مصر، كان المسؤول المخابراتي الذي استقبله في المطار وأجرى معه مفاوضات مطولة في جناحه بفندق «ماريوت» بالتجمّع الخامس، يُدرك طبيعة الرجل، فلم يقدّم تهديداً وإنما قدّم إغراءات، لا يتسع المجال لذكرها.

والقصة لم تتم فصولها بإعلانه التلفزيوني أنه سيُراجع قرار ترشّحه، وإن كانت الإمارات بما فعلت قد قلّصت طموحها في القاهرة، لتصبح مجرّد أداة في يد عبد الفتاح السيسي، بعد أن تعاملت معه على أنه مالك للأرض فاكتشفت أنه سمسار! دنيا!.

 

لا تنسى ان تقوم بعمل لايك لصفحتنا البديله كلمتى
الصفحة البديله

سعر الحديد سعر الاسمنت سعر الدولار الان سعر الذهب

المصدر : الراية

تغطية خاصة بالموضوع

اخبار متعلقة

اضف تعليق