المحتوى الرئيسى

محمد منير يكتب التنصت عار في العالم وفضيلة في مصر


من المتعارف عليه، شعور أعضاء الجماعة البشرية بالخزي عند الوقوع في خطأ أو ارتكاب خطيئة، وقد اعتاد الإنسان على إخفاء أخطائه وحتى تصرفاته المتعمدة والتي تدينها الجماعة.

ومن التصرفات التي اتفق البشر على اعتبارها عاراً مخزيًا هو التجسس والتنصت مهما كانت دوافعه، وقد أدانته القوانين ونظمت استخدامه في تتبع المجرمين، ولهذا لا يؤخذ بالتسجيلات التي تتم بغير موافقة وإذن الجهة القضائية التي تعطى هذا الإذن في حدود ضيقة ولأسباب محددة، ويتم استخدامه وتنفيذه عن طريق جهاز تنفيذي بإشراف جهات قضائية، ولا يؤخذ بأي تسجيل - تم بالتنصت - على مواطنين في جهات التحقيق، بل على العكس يقع من قام به تحت طائلة القانون.
سلاح التجسس

وفى ظل العلاقات الدولية تحرص الدول التي تستخدم سلاح التجسس والتنصت على القيام به في سرية تامة، فإذا انكشف أصبح عارا على الدولة المتورطة فيه يستلزم اعتذارًا وربما عقوبات تصل إلى حد إقالات مسئولين وأحيانا انتحارهم.

ودائما ما يسعى الحكام إلى تأكيد حرصهم على احترام الحياة الخاصة للمواطنين وإعلان هذا في كل المناسبات، ولو على غير الحقيقة، إلا أن الثابت أنه لا يمكن لحاكم أن يجهر بأن أجهزة دولته تتجسس على المعارضين أو المسئولين حتى لو كان هذا يحدث بالفعل. ويحضرني ما فعله الرئيس الراحل أنور السادات الذى قام بحرق الشرائط التي كانت تحتوى على مكالمات المعارضين للنظام فترة الرئيس جمال عبد الناصر، وجاء حرقها في مشهد استعراضي مهيب، مع إعلان انتهاء عهد انتهاك الحريات الشخصية للمواطنين، وقام في مشهد استعراضي آخر بهدم سور سجن مصر.

وأقام السادات قواعد حكمة وبنيانه على دعاية الديمقراطية واحترام الحريات الشخصية، ورغم ذلك لم يخل أي عام من أعوام حكم السادات من أحداث زج فيها بالمعارضين له في السجون، واستمرت أجهزة الأمن في التنصت على المواطنين والمعارضين. وظل السادات يتفاخر بالتمسك بالديمقراطية واحترام الحريات الشخصية، ومن بعده انتهج حسنى مبارك نفس النهج رغم الفضائح التي تكشفت وقت تولى زكى بدر وزارة الداخلية، عندما تجسست أجهزته على الشيخ صلاح أبو أسماعيل، وأذاع ذلك علنا في مجلس الشعب، ورغم كل ذلك لم يجرؤ أي من الرئيسين على الجهر والاعتراف بحق الدولة في التجسس على المعارضين.

الفُجر فى الخصومة
 

وظلت فكرة التصنت على المعارضين عارًا يلاحق من يضبط متلبسا بفعله، ولم يصل حد الفُجر في الخصومة إلى الاعتراف علنا بالتصنت وإذاعة تفريغات المكالمات على الهواء وهو ما قام به الإعلاميان عبد الرحيم على وأحمد موسى، وكان آخرها إذاعة مكالمة عادية بين الدكتور محمد البرادعي والفريق سامى عنان رئيس الأركان آنذاك، ومحاولة استغلال الحوار فيها لتشويه الدكتور محمد البرادعي كمناهض لحكم عبد الفتاح السيسي، ولم تكن هذه المرة الأولى التي تذاع فيها تسريبات للمعارضين بل سبقتها مرات أخرى، وأصبح التصنت سلاحًا بلا ضابط قيمي ولا أخلاقي اتسعت خطورته مع التطور التكنولوجي حتى طال النظام الذى سمح بالجهر به على هذا النحو الفاجر، وظهرت تسريبات لرئيس الدولة وضعته فى موضع حرج تجاه بعض الدول العربية المحيطة بمصر لم يشهد أي بلد في العالم هذا السلوك الفاجر والجهر بالسوء على النحو الذى شهدته مصر وقت حكم عبد الفتاح السيسي.

في يونيه من عام 1972 وأثناء الانتخابات الأمريكية  تم ضبط خمسة أشخاص في مقر الحزب الديمقراطي، وهم يزرعون أجهزة تجسس في الحزب، في الوقت الذى كان فيه ريتشارد نيكسون المرشح التابع للحزب الجمهوري يخوض المعركة أمام المرشح الديمقراطي لتولى رئاس الولايات المتحدة دورة ثانية، واستمرت التحقيقات مع الأشخاص الخمسة أكثر من عامين، وبعدها ثبوت تورط الرئيس الأمريكي في واقعة التجسس اضطر إلى تقديم استقالته في أغسطس 1974 وتحول للمحاكمة كمتهم. تم ذلك بسيادة القانون والقيم المجتمعية والسياسة دون أي ثورة أو انقلاب. 

فى 26 أغسطس/آب 2015 اعتذر باراك اوباما للحكومة اليابانية بعد أن نشر موقع ويكيليكس معلومات تؤكد تورط واشنطن في عمليات تجسس على سياسيين يابانيين.

في عام 2014 استقال الرئيس الألماني كريستيان فولف بسبب طلب جهات التحقيق تجريدة من الحصانة لاتهامه بالتورط في محاولة التأثير على الصحافة، وبصرف النظر عن أن المحاكمة برأته إلا أننا أمام حالة يحاكم فيها رئيس دولة للتورط في التأثير على الصحافة، في مقابل حالة مصرية تقوم فيها الدولة ورئيسها بمد الإعلام الموالي لها بتفريغات التنصت على معارضيها لإذاعتها بكل فُجر!!!
ما أعمق الهوة بين نظام الحكم في مصر والحضارة .


سعر الحديد سعر الاسمنت سعر الدولار الان سعر الذهب

المصدر : aljazeera

اخبار متعلقة

اضف تعليق